يرى الخبير الجيوسياسي ومستشار الاستراتيجيات العالمية ماركو فيتشينزينو أن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك لمواجهة اتهامات أميركية لا يعبّر عن تصعيد درامي عابر في سياسة واشنطن تجاه كاراكاس، بل يكشف عن تحوّل أعمق في مفهوم الردع الأميركي داخل نصف الكرة الغربي. يوضح فيتشينزينو أن هذه الخطوة تعكس رؤية جيوسياسية تتجاوز البعد القانوني أو الاقتصادي، وتؤشر إلى عقيدة ناشئة لدى دونالد ترامب تعطي الأولوية للردع والإنفاذ والوضوح الاستراتيجي بدل الغموض الدبلوماسي.

 

تشير ذا ناشيونال في هذا السياق إلى أن واشنطن توجّه رسالة متعددة المستويات، داخلية وإقليمية ودولية، مفادها أن الخطوط الحمراء الأميركية يجري تحديثها، وأن مرحلة التساهل الطويل مع أنماط حكم فوضوية أو نفوذ خارجي غير منضبط في الأميركيتين تقترب من نهايتها.

 

إعادة تعريف الردع في نصف الكرة الغربي

 

 

تعكس خطوة ترامب، بحسب التحليل، عودة نصف الكرة الغربي إلى صدارة الحسابات الاستراتيجية الأميركية بعد سنوات من إدارة عدم الاستقرار أو التعايش معه. تؤكد واشنطن أن المنطقة لم تعد مساحة مفتوحة لانجراف سياسي أو لتطبيع أنماط حكم تمزج بين سلطة الدولة والجريمة العابرة للحدود وتهريب المخدرات والتمويل غير المشروع.

 

تعيد الإدارة الأميركية هنا تعريف مفهوم السيادة، إذ توجّه رسالة واضحة إلى دول أميركا اللاتينية مفادها أن السيادة لن تحمي أنظمة تدمج أجهزة الدولة في شبكات إجرامية. يضع هذا التحول المساءلة القانونية في قلب الجيوسياسة، ويعامل قادة “تجريم الدولة” بوصفهم تهديدات أمنية لا مجرد نظراء سياسيين. يعكس هذا المنهج انتقالًا من دبلوماسية الاحتواء إلى سياسة ردع نشطة تستخدم أدوات الإنفاذ والضغط المباشر.

 

الرسالة الموجّهة إلى الصين وروسيا وإيران

 

 

لا تقتصر مخاطبة ترامب على الداخل الفنزويلي، بل تمتد إلى قوى دولية تعاملت طويلًا مع أميركا اللاتينية باعتبارها ساحة منخفضة المخاطر لإسقاط النفوذ. يظهر ذلك بوضوح في الحضور الاقتصادي الصيني عبر القروض وصفقات الطاقة والبنية التحتية، وفي التعاون الأمني والاستخباراتي الروسي، إضافة إلى البصمة اللوجستية والأمنية الإيرانية في فنزويلا ومناطق أخرى.

 

يقصد اعتقال مادورو، وفق فيتشينزينو، كسر هذا الافتراض. تحمل الرسالة معنى واضحًا: النفوذ بالوكالة، وأنشطة “المنطقة الرمادية”، والمغامرة الاستراتيجية في الأميركيتين ستواجه كلفة ملموسة. تبدو الصين الأكثر تأثرًا بهذا التحول، إذ مثّلت فنزويلا حجر زاوية في استراتيجيتها الإقليمية، عبر نموذج اقتصاد خاضع للعقوبات تحوّل إلى منصة نفوذ قائمة على قروض مضمونة بالنفط وعقود محمية سياسيًا.

 

يفرض أي انتقال سياسي بعد مادورو ضغطًا مباشرًا على هذا النموذج. تخضع ترتيبات الديون للمراجعة، وتُعاد فتح العقود، وتخضع الأصول الاستراتيجية، من الطاقة إلى الموانئ والبنية التحتية، لتدقيق حكومة تسعى إلى الشرعية والوصول إلى رأس المال والتطبيع مع المؤسسات الغربية. لا يعني ذلك تراجع ثقل الصين الاقتصادي في أميركا اللاتينية، إذ تظل شريكًا تجاريًا محوريًا ومصدرًا أساسيًا للاستثمار، لكن خسارة فنزويلا كقلعة نفوذ مريحة تضيق هامش المناورة وتجبر بكين على انخراط أكثر شفافية وأقل حماية سياسية.

 

حدود المكاسب ومخاطر التصعيد

 

 

تعيد خطوة ترامب، بحسب التحليل، تثبيت الحضور الاستراتيجي الأميركي في المنطقة من دون أوهام. لا تلغي هذه الخطوة صعود الصين كقوة عالمية، لكنها تعكس تعديلًا بنيويًا في ساحة تشهد عودة منطق التنافس بين القوى الكبرى. يذكّر التاريخ القريب بأن الفراغ الذي تتركه واشنطن يملؤه آخرون بسرعة، ما يجعل الاختبار الحقيقي في القدرة على الاستمرار لا في الاستعراضات المنفردة.

 

توجّه واشنطن كذلك رسالة إلى حلفائها، مفادها الاستعداد للتحرك من دون إجماع كامل عندما ترى أن مصالحها الجوهرية مهددة، مع إدارة التداعيات الدبلوماسية لاحقًا. يصف هذا التوجه قطيعة مع مرحلة سادت فيها الحذرية على حساب الوضوح.

 

يثير هذا المسار انتقادات تتعلق بالقانون الدولي وخطر التصعيد وخلق سوابق قد تستغلها قوى أخرى. يحذّر منتقدون من أن القوة الأحادية، حتى عندما تتغطى بإطار قانوني، قد تضعف المعايير التي تعتمد عليها الولايات المتحدة نفسها. لكن تجاهل الفارق الاستراتيجي، وفق فيتشينزينو، يخطئ القراءة. لا يشبه هذا التحرك العراق أو أفغانستان، ولا يستهدف احتلالًا أو بناء دولة، بل يسعى إلى إعادة ترميم الردع في منطقة عُدّت طويلًا مستقرة جيوسياسيًا.

 

لا يُقاس هذا الحدث بمصير مادورو وحده أو بشرعية العملية فحسب، بل بما سيليه. ينجح الردع عندما يقترن بالانضباط والوضوح وضبط النفس. يضع ترامب نواياه بوضوح أمام الصين وروسيا وإيران، ويبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه المعايرة ستعيد الاستقرار أم ستفتح بابًا لتصعيد أوسع، مع ارتدادات إقليمية ودولية قد ترسم ملامح العقد المقبل.

https://www.thenationalnews.com/opinion/comment/2026/01/08/despite-trumps-venezuela-coup-the-americas-will-remain-a-contested-region/